الذهبي
1041
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
الهرب أهون من الغضب ، والموت أهون من الذل ، النفير النفير قبل أن ينقطع الشمل ويعسر المهرب ، ثم قام آخر من كلب فقال نحو ذَلِكَ ، فسار معه عامّة أهل الشام ، وتفللوا ، وأقبل نصر بن شبيب في الزّواقيل ، وهو يَقُولُ : فرسانَ قيسٍ اصبري للموت . . . لا ترهبن عن لقاء القوت دعي التَّمنّي بعسى وليت ثمّ حَمَل هُوَ وأصحابه ، فقاتل قتالا شديدًا ، وكثُر القتل والبلاء في الزّواقيل ، وحملت الأبناء فانهزمت الزّواقيل . ثمّ تُوُفّي عَبْد المُلْك في هذه الأيام ، فنادى الحسين بْن عليّ بْن عيسى في الجند ، فصير الرَّجَّالَةَ في السفن ، والفُرسان عَلَى الظَّهْر ، ووصّلهم حتى أخرجهم مِن بلاد الجزيرة في رجب ، ودخل بغداد ، فلمّا كَانَ في جوف اللَّيْلِ طلبه الأمين ، فقال للرسول : ما أنا بمغن ولا مُسامِر ولا مُضْحك ، ولا وُلِّيتُ لَهُ عملا ، فلأيّ شيءٍ يريدني ؟ انصرف فَمِن الغد آتيه . قَالَ : فأصبح الحسين فوافى باب الجسر ، واجتمع إِلَيْهِ النّاس ، فأمر بإغلاق الباب الَّذِي يخرج منه إلى عُبَيْد الله بْن عليّ وباب سوق يحيى ، وقال : يا معشر الأبناء ، إنّ خلافة الله لا تُجاوَر بالبَطر ، وَنِعْمَةٌ لا تُسْتَصْحب بالتجبُّر ، وإن محمدًا يريد أن يزيغ أديانكم ، وينكث بيعتكم ، ويفرق أمركم ، وتالله إنّ طالت يده ، وراجعه مِن أمره قوّة ، ليَرجعّن وَبَالُ ذَلِكَ عليكم ، ولتعرفّن ضرره ، فاقْطعوا أثَره قبل أن يقطع آثاركم ، وَضَعُوا عزّه قبل أن يضع عزّكم . ثمّ أمر الناس بعبور الجسر ، فعبروا حتى صاروا إلى سكّة باب خُراسان ، واجتمعت الحربيّة ، وأهلُ الأرباض ممّا يلي بابَ الشام ، فتسرّعت خيولٌ مِن خيول الأمين مِن الأعراب وغيرهم إلى الحسين ، فاقتتلوا قتالا شديدًا ، ثمّ استظهر عليهم الحسين وتَفَرّقوا ، فخلع الحسينُ محمدًا لإحدى عشرة لَيْلَةً خَلَت مِن رجب ، وبايع للمأمون مِن الغد ، ثمّ غدا إلى محمد . فوثب العبّاس بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ فدخل قصر الخُلْد ، فأخرج منه محمدًا إلى قصر المنصور ، فحبسه هناك إلى الظُّهر ، وأخرج أمّه ، أمّ جعفر ، بعد أن أبت ، وقنعها بالسوط وسبها ، فأُدخلت إلى مدينة المنصور .